السيد الطباطبائي ( تعريب : جواد علي كسار )
9
مقالات تأسيسية في الفكر الإسلامي
ومؤلفاته الأخرى . وربما تجد أحيانا - وهذا نادر - انه يقوم بالتأسيس أولا ثم ينشئ مضمون الموقف الفكري ومحتواه على ضوء الأصول الموضوعة ، وذلك في المواد التي لم يؤسّس لها سابقا . والطباطبائي في هذا يستوي مع نهج كان ينتظم كتابات الاسلاميين فيما سبق . إذ لا يقول أحدهم قولا ولا يستأنف في شيء نظرا ، إلّا ويسبق ذلك بتأسيس مبناه الذي يتسق عادة مع الحقل المعرفي الذي يخوض فيه لا فرق في أن يكون البحث عقليا فلسفيا ، أو جدليا كلاميا ، أو فقهيا أو أصوليا ، أو بحثا في التفسير ، أو الحديث ، أو الرجال ، أو التاريخ . ولكن هذا النهج تزلزل في العصور المتأخرة لأسباب جلّها معروف للجميع ، فساد الاضطراب حبل الفكر الاسلامي ، بحيث أضحى الأخير من كثرة ما فيه من اضطرابات وتنافر وعدم توازن في الرؤى ، أقرب إلى أن يكون تفكير المسلمين ، من أن يكون فكرا اسلاميا يقوم على أصول مبرهنة ومتفق على مؤدّاها سلفا . وبالخروج عن حالة الاضطراب هذه والعودة إلى نهج تأسيس الأصول أولا ، والبناء عليها ثانيا ، تميّزت اعمال رموز فكرية كبيرة كان لها ولا يزال تأثيرها وحضورها العميق في بناء وعي المسلمين في الفترتين الحديثة والمعاصرة . وإذا كان لا بدّ من أمثلة فانّ ما يميّز الاعمال الفكرية لرموز من أمثال محمد اقبال ، ومالك بن نبي ، وأبو الأعلى المودودي ، ومحمد باقر الصدر ، ومحمّد جواد البلاغي ، ومرتضى مطهري ، وعلي شريعتي ، ومحمد حسين الطباطبائي ، هو انبناؤها جميعا على أصول مؤسّسة سلفا ومبان مبرهن عليها سابقا ؛ بغض النظر عن ما بين هؤلاء من اختلاف في الأصول والمباني التي تضبط رؤاهم وتسوق